منهَك لدرجة أنك لا تحتمل أمرًا إضافيًا؟ لماذا ينبغي أن تكون الممارسة بلا جهد
بقلم الأستاذة سارة النابلسي، M.Sc.، M.A.، M.A. | أخصائية نفسية إكلينيكية مرخّصة من هيئة الصحة بدبي
نوقش هذا الموضوع أولًا في بودكاست Mental Health AE مع علي خواجة، الحلقة S04E14 بعنوان «Transcendental Meditation»، بتاريخ 1 أكتوبر 2026 (صفحة الحلقة). الحلقة باللغة الإنجليزية، والعبارات المنقولة عنها هنا مترجمة.
الوقت متأخر. انتهيت من الرد على الرسائل، وهدأ البيت أخيرًا، فتفتح مقالًا عن الاحتراق النفسي. يطلب منك أن تكتب يومياتك، وأن تمارس الرياضة، وأن تتأمل كل صباح، وأن تحمي نومك، وأن تضع حدودًا أفضل. كل بند منطقي وحده. لكنها مجتمعةً تبدو وظيفة ثانية.
هذه الأمسية صورة مركّبة، لا قصة شخص بعينه. وإن بدت لك مألوفة، فربما حاولت أنت أيضًا أن تعتني بنفسك، ثم خرجت بشعور أنك فشلت في ذلك أيضًا.
في بودكاست Mental Health AE مع علي خواجة، قلت شيئًا أريد أن أشرحه هنا كما ينبغي، لأنه في صميم طريقتي في التعامل مع الاحتراق النفسي. حين يأتيني الناس منهَكين، وأمامهم أكثر مما يحتملون، فلن أطلب منهم أن يفعلوا أمرًا إضافيًا. ومع ذلك أنصحهم بتعلّم التأمل. ولا تستقيم هاتان العبارتان معًا إلا حين يتضح نوع الممارسة الذي أقصده.
ما الذي يأخذه منك الاحتراق النفسي
الاحتراق النفسي ليس مجرد انشغال. يصفه ماسلاك ولايتر (2016)، وقد درساه عقودًا، بأنه استجابة لضغط مزمن في العمل تتكوّن من ثلاثة أجزاء: إنهاك طاغٍ، ومسافة ساخرة تفصلك عن عملك، وشعور بأن ما تفعله لم يعد يُحدث فرقًا.
ما يهمّنا في هذا المقال هو الجزء الأول. فالإنهاك نقصٌ في المورد ذاته الذي تفترض معظم النصائح أنه ما زال لديك. والخطة التي تبدأ بعبارة «تحلَّ بالانضباط كي…» مكتوبة لشخص لم يصل إلى الاحتراق.
ويشير ماسلاك ولايتر أيضًا إلى قلة الأبحاث التقييمية حول التدخلات الخاصة بالاحتراق النفسي. وأنا آخذ ذلك على محمل الجد. وهو أحد الأسباب التي تجعلني أنظر مع الشخص إلى حياته كلها، بدلًا من أن أسلّمه تقنية واحدة.
التوقّف ليس هو التعافي
ميّزت سوننتاغ وفريتز (2007)، وهما تدرسان كيف يتخلّص الناس من أثر العمل، بين أربع تجارب مختلفة للتعافي: الانفصال النفسي عن العمل، والاسترخاء، والإتقان، والشعور بالتحكّم في وقت الفراغ. وهذه التجارب لا يحلّ بعضها محلّ بعض.
بلغة الحياة اليومية، قد يوقفك التصفّح على الأريكة عن العمل دون أن يفصلك عنه أبدًا. وقد تبني هواية جديدة متطلّبة شعورًا بالإتقان دون أن تمنحك أي راحة. وربما يساعد هذا في تفسير لماذا قد يعود الشخص المحترق نفسيًا من عطلة نهاية الأسبوع دون أن يشعر بأي تحسّن. لقد توقّف، لكنه لم يتعافَ. والتعافي الذي يُضاف عن قصد قد يتحوّل بسهولة إلى شيء يتطلّب مزيدًا من الجهد، ومزيدًا من المتابعة، ومزيدًا من الحرص على إتقانه.
بعض التنشيط ليس عدوًّا
هناك سوء فهم ثانٍ أريد توضيحه، لأنه قد يجعل المحترقين نفسيًا يخافون من أجسادهم. فهرمونات التوتر ليست عدوًّا ببساطة. لدى معظم الأصحاء، يصاحب الاستيقاظ ارتفاعٌ مفاجئ في الكورتيزول يُعرف باستجابة الكورتيزول عند الاستيقاظ (كلاو وزملاؤه، 2010). وقد قلتها في البودكاست ببساطة: لو لم يرتفع الكورتيزول في الصباح، لبقينا نائمين.
فالهدف إذن ليس أن تشعر بالخمول. ما أريده لمن أعمل معهم هو جسد يستطيع أن يكون يقظًا تمامًا حين يتطلّب اليوم ذلك، وعقل يبقى هادئًا في الوقت نفسه. يقظة جسدية عالية، وهدوء ذهني عالٍ. وهذا المزيج هو ما يسمح للمرء بأن يجتاز اجتماعًا صعبًا أو حديثًا صعبًا دون أن يغرق فيه، ثم أن يهدأ بعده.
وقد يجعل الاحتراق النفسي هذا التوازن صعب المنال. فقد تشعر كأنك متوتّر ومستنزَف في آنٍ واحد: عاجز عن التوقف ليلًا، وعاجز عن الانطلاق صباحًا.
لماذا يجب أن تكون الممارسة بلا جهد
هنا يأتي دور التأمل، وهنا يصبح نوع التأمل مهمًا. فكثير من الطرق الشائعة تطلب منك أن تركّز: ثبّت انتباهك على التنفّس، ولاحظ متى يشرد، وأعِده. وهذا قد يكون انضباطًا مفيدًا لعقل مرتاح. أما لعقل مستنزَف فقد يتحوّل إلى مهمة أخرى يجب أداؤها جيدًا. وقد كتبت عن هذا التعارض بتفصيل أكبر في مقال لماذا لا أستطيع تهدئة عقلي عند التأمل؟
إن أخذت فقرة واحدة من هذا المقال، فخذ هذه. حين تكون محترقًا نفسيًا، فالمشكلة ليست أنك تفتقر إلى روتين، بل أن الجهد الذي يتطلّبه كل روتين بدأ ينفد منك. يُوصف الاحتراق النفسي عادةً بأنه إنهاك، ومسافة ساخرة عن العمل، وشعور بعدم الفاعلية، والإنهاك هو بالضبط نقص ما تفترض معظم نصائح العناية بالنفس أنه ما زال لديك. فالسؤال إذن ليس كيف تضيف عادة متطلّبة أخرى، بل أي نوع من الراحة لا يطلب منك شيئًا. فالباحثون الذين يدرسون التعافي من العمل يفرّقون بين الاسترخاء والانفصال عن العمل من جهة، ومجرد التوقّف من جهة أخرى. والتأمل التجاوزي ممارسة قائمة على هذه الفكرة: فهو بلا جهد بحكم تعريفه، ويُمارَس عشرين دقيقة مرتين يوميًا في جلسة مريحة مع إغماض العينين، ويطلب منك أن تترك بدلًا من أن تركّز أكثر.
في اللحظة التي تبدأ فيها ببذل الجهد، تكون قد انتقلت إلى نوع مختلف من الممارسة. ما أعلّمه هو كيف تترك. وبالنسبة إلى شخص محترق نفسيًا، كثيرًا ما يكون هذا بالذات ما أصبح أصعب شيء عليه، ولا يمكن استعادته بمزيد من المحاولة.
قد تبدو عشرون دقيقة مرتين يوميًا وقتًا لا يملكه شخص مشغول. وأنا أفهم ذلك. لكنها شيء يمكنني أن أضيفه إلى يوم الشخص المحترق نفسيًا دون أن يطلب منه أن يؤدّي، أو يتابع، أو يتحسّن، أو يتقن.
ومن جهة الأبحاث، وجد ماكلين وزملاؤه (1997)، في دراسة عشوائية على رجال بالغين، أنه بعد أربعة أشهر من الممارسة، أظهر من تعلّموا التأمل التجاوزي انخفاضًا في مستوى الكورتيزول الأساسي مقارنةً بمجموعة تلقّت تثقيفًا حول التوتر، بينما ازدادت استجابة الكورتيزول لديهم لمحفّزات التوتر الحادة في المختبر. وبعبارة بسيطة: هرمون توتر أقل في الخلفية، مع بقاء الجسم قادرًا على الاستجابة حين يتطلّب الأمر ذلك.
إن كنت تعمل وخزّانك فارغ
إن تعرّفت على نفسك في تلك الأمسية المتأخرة، فهذا ما أقترحه.
أولًا، أزِل أمرًا واحدًا قبل أن تضيف آخر. فإن صارت خطة تعافيك أطول من قائمة مهامك، فقد أصبحت جزءًا من قائمة المهام.
ثانيًا، انظر إلى نوع الراحة التي تحصل عليها، لا إلى مقدارها فقط. واسأل نفسك هل في أسبوعك ما يتيح لك الانفصال عن العمل والاسترخاء، أم أنك توقّفت فقط.
ثالثًا، إن أردت أن تجرّب التأمل، فاختر ممارسة لا تطلب منك أن تركّز أكثر. وتشرح صفحة التأمل التجاوزي على موقعي كيف تُدرَّس التقنية، وتتضمن مقطع فيديو تعريفيًا قصيرًا.
وإن لم تكن متأكدًا مما إذا كان ما تشعر به احتراقًا نفسيًا أم قلقًا أم كليهما، فإن التقييم الذاتي القصير «قلق أم احتراق نفسي؟» (متاح حاليًا بالإنجليزية) نقطة بداية معقولة. وهو أداة للتوجيه، وليس تشخيصًا. وإن كان الإنهاك يؤثّر في نومك أو علاقاتك أو عملك، فإن صفحتي عن علاج الاحتراق الوظيفي تشرح كيف أعمل معه، ويمكن أن يسير التأمل جنبًا إلى جنب مع هذا العمل.
يُقنع الاحتراق النفسي الناس بأن كل حلّ لا بد أن يكلّفهم شيئًا، لأن كل شيء آخر قد كلّفهم. والممارسة التي أنصح بها تعمل بطريقة مختلفة. فهي ليست أمرًا إضافيًا عليك أن تتقنه، بل عشرون دقيقة، مرتين يوميًا، يُسمح لك فيها بأن تتوقّف عن المحاولة.
المراجع
Clow, A., Hucklebridge, F., Stalder, T., Evans, P., & Thorn, L. (2010). The cortisol awakening response: More than a measure of HPA axis function. Neuroscience and Biobehavioral Reviews, 35(1), 97–103. https://doi.org/10.1016/j.neubiorev.2009.12.011
MacLean, C. R. K., Walton, K. G., Wenneberg, S. R., Levitsky, D. K., Mandarino, J. P., Waziri, R., Hillis, S. L., & Schneider, R. H. (1997). Effects of the Transcendental Meditation program on adaptive mechanisms: Changes in hormone levels and responses to stress after 4 months of practice. Psychoneuroendocrinology, 22(4), 277–295. https://doi.org/10.1016/S0306-4530(97)00003-6
Maslach, C., & Leiter, M. P. (2016). Understanding the burnout experience: Recent research and its implications for psychiatry. World Psychiatry, 15(2), 103–111. https://doi.org/10.1002/wps.20311
Sonnentag, S., & Fritz, C. (2007). The Recovery Experience Questionnaire: Development and validation of a measure for assessing recuperation and unwinding from work. Journal of Occupational Health Psychology, 12(3), 204–221. https://doi.org/10.1037/1076-8998.12.3.204
نبذة عن الكاتبة
الأستاذة سارة النابلسي، M.Sc.، M.A.، M.A.، أخصائية نفسية إكلينيكية مرخّصة من هيئة الصحة بدبي، ومديرة المكتب الوطني للتأمل التجاوزي في دولة الإمارات العربية المتحدة. تتمتع بخبرة تتجاوز 15 عاماً في العمل مع البالغين والأزواج في دولة الإمارات، في القلق والتوتر والإرهاق النفسي وتحديات العلاقات. تظهر بانتظام على MBC وسكاي نيوز عربية وتلفزيون دبي وبي بي سي عربي، وهي مُعِدّة الدورتين عبر الإنترنت Anxiety 101 (المستوى الأول) وMaster Yourself (المستوى الثاني).
الأسئلة الشائعة
هل الاحتراق النفسي هو نفسه الاكتئاب؟
ليس تمامًا، رغم أنهما قد يتداخلان وقد يبدو أحدهما كالآخر. يرتبط الاحتراق النفسي عادةً بضغط مزمن في العمل، ويظهر في صورة إنهاك، ومسافة ساخرة عن العمل، وشعور بأن جهدك لم يعد يُحدث فرقًا. أما الاكتئاب فحالة إكلينيكية تؤثّر في المزاج والاهتمام والأداء اليومي في الحياة كلها، لا في العمل وحده. ولأنهما يشتركان في أعراض مثل التعب وضعف النوم وانخفاض الدافعية، فمن الأفضل إجراء تقييم مناسب بدلًا من التخمين. ويمكن لمختص مؤهَّل أن يساعدك على التمييز بينهما. وتشرح صفحتي عن علاج الاحتراق الوظيفي كيف أنظر عمليًا إلى الفرق بين الاحتراق النفسي والاكتئاب والقلق.
لماذا تبدو العناية بالنفس مهمة إضافية حين أكون محترقًا نفسيًا؟
لأن معظم نصائح العناية بالنفس مكتوبة لشخص ما زالت لديه طاقة فائضة. والاحتراق النفسي في جوهره نقصٌ في هذه الطاقة، لذا فإن خطة مبنية على الانضباط والمتابعة وأداء الأمور كما ينبغي تصل إليك كمجموعة أخرى من المطالب. كما أن أبحاث التعافي من العمل تفرّق بين مجرد التوقّف والتعافي الفعلي: فالاسترخاء والانفصال عن العمل تجربتان مختلفتان عن مجرد الخروج من دوام العمل. ولهذا قد تتركك عطلة نهاية أسبوع من التصفّح متعبًا كما كنت. والأفضل أن تبدأ بإزالة مطلب واحد قبل إضافة أي شيء، وأن تختار راحة لا تطلب منك الكثير. وإن بدا لك حتى ذلك مستحيلًا، فهذه معلومة مفيدة تحملها إلى مختص.
هل يصعب تعلّم التأمل التجاوزي حين أكون منهَكًا؟
صُمّم كي لا يكون كذلك. فالتأمل التجاوزي بلا جهد بحكم تعريفه: لا يطلب منك أن تركّز، أو أن تتحكّم في تنفّسك، أو أن تطرد الأفكار، وفي اللحظة التي تبدأ فيها ببذل الجهد تكون قد انتقلت إلى نوع مختلف من الممارسة. ويُمارَس عشرين دقيقة مرتين يوميًا، في جلسة مريحة مع إغماض العينين. ويتطلّب تعلّمه دورة قصيرة مع معلّم معتمد، بدلًا من أشهر من المحاولة والخطأ وحدك. وبالنسبة إلى كثير من المحترقين نفسيًا، هذا أهم ما فيه، لأنه من الأشياء القليلة التي يمكنهم إضافتها إلى يومهم دون أن تطلب منهم أن يؤدّوا. وتجد تفاصيل الدورة ومقطع فيديو تعريفيًا قصيرًا على صفحة التأمل التجاوزي في موقعي.
هل يمكن أن يعالج التأمل الاحتراق النفسي وحده؟
لا ينبغي أن يُتوقَّع ذلك من أي تقنية منفردة. فالاحتراق النفسي يرتبط عادةً بالظروف التي يعمل فيها الناس، مثل عبء العمل، وقلة التحكّم في وقتهم، وقلة التعافي، ولذلك كثيرًا ما تحتاج هذه الظروف إلى اهتمام أيضًا. والتأمل ممارسة يومية يمكن أن تسير جيدًا جنبًا إلى جنب مع تغييرات أخرى ومع العلاج النفسي، لكنه ليس بديلًا عن تقييم يجريه مختص مؤهَّل حين يؤثّر الإنهاك في صحتك أو علاقاتك أو عملك. ويستعين كثيرون بأكثر من نوع واحد من الدعم في الوقت نفسه. وإن لم تكن متأكدًا من أين تبدأ، فإن التقييم الذاتي «قلق أم احتراق نفسي؟» على هذا الموقع أداة توجيه قصيرة، ويمكن لمختص مرخّص أن ينظر معك إلى الصورة كاملة.
هل ترغب في التحدث إلى مختص؟
هل صارت الراحة تبدو لك بندًا آخر على قائمتك؟
الدعم المنظَّم والمبني على أسس علمية متاح حين تكون مستعدًا.



تعليقات